محمد بن علي الشوكاني
3531
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
" البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " ، وفي لفظ " حتى يفترقا " ، وفي لفظ فيهما : " المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يفترقا إلا بيع الخيار " ، فأثبت - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - الخيار قبل التفرق ؛ لأنه مظنة التأمل والتدبر للمبيع ، وعدم الإحاطة بجميع أوصافه ، والجهل لشيء منها فهو قبل التفرق إذا وجد ما لا يرتضيه كان له أن يفسخ به ؛ لأنه إذ ذاك واقع في الغرر بالعقد الذي عقده قبل الاطلاع على هذا الأمر الذي كان سببا للفسخ ، فهو قبل التفرق متمكن من التخلص من عهدة العقد ، وقادر على الخروج مما دخل فيه من الغرر ، فإذا فارق المجلس فقد اختار المبيع وفرغ من تدبر أوصافه ، ورضي بما رآه ( 1 ) .
--> ( 1 ) آراء الفقهاء في خيار المجلس : الأول : ثبوته وهو لجماعة من الصحابة ، منهم علي وابن عباس وابن عمر . وإليه ذهب أكثر التابعين والشافعي وأحمد وإسحاق ، والإمام يحيى ، قالوا : والتفرق الذي يبطل به الخيار ما يسمى عادة تفرقا ، ففي المنزل الصغير بخروج أحدهما ، وفي الكبير بالتحول من مجلسه إلى آخر بخطوتين أو ثلاث ، ودل على أن هذا تفرق فعل ابن عمر المعروف ، فإن قاما معا وذهبا معا فالخيار باق ، وهذا دليله هذا الحديث المتفق عليه . انظر : " المحلى " ( 8 / 354 ) ، " المجموع " ( 9 / 184 ) ، " فتح الباري " ( 4 / 330 ) . الثاني : للهادوية والحنفية ومالك والإمامية أنه لا يثبت خيار المجلس بل متى تفرق المتبايعان بالقول فلا خيار إلا ما شرط ، مستدلين بقوله تعالى : { تجارة عن تراض } [ النساء : 29 ] . وبقوله تعالى : { وأشهدوا إذا تبايعتم } [ البقرة : 282 } . قالوا : والإشهاد إن وقع بعد التفرق لم يطابق الأمر ، وإن وقع قبله لم يصادف محله ، وحديث : " إذا اختلف البيعان فالقول قول البائع " - وهو حديث صحيح أخرجه أبو داود رقم ( 3511 ) والترمذي رقم ( 1270 ) والنسائي رقم ( 4648 ) وابن ماجة رقم ( 2186 ) وأحمد ( 1 / 466 ) من حديث ابن مسعود - ولم يفصل ، وأجيب بأن الآية مطلقة قيدت بالحديث ، وكخيار الشرط ، وكذلك الحديث وآية الإشهاد يراد بهما عند العقد ولا ينافيه ثبوت خيار المجلس كما لا ينافيه سائر الخيارات . وانظر مزيد تفصيل " فتح الباري " ( 4 / 327 ) ، " المجموع " ( 9 / 184 ) ، " المغني " ( 6 / 10 - 14 ) .